فصل: تفسير الآية رقم (102):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (99):

القول في تأويل قوله تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [99].
{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} يعني: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، إلاَّ تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. وفي الآية تشديد في إيجاب القيام بما أمر به. وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. وقامت عليكم الحجّة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} من الخير والشرّ، فيجازيكم بذلك.

.تفسير الآية رقم (100):

القول في تأويل قوله تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [100].
{قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيّدها. قصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} فإنّ العبرة بالجودة والرداءة، دون القلّة والكثرة. فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب عام لكل معتبر- أي: ناظر بعين الاعتبار- ولذلك قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} أي: فاتقوه في تحري الخبيث وإِنْ كثر. وآثروا الطيّب وإنْ قلَّ: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: بمنازل القرب عنده تعالى المعدّ للطيّبين.
تنبيهان:
الأول- قال الرازي: أعلم أنه تعالى لمّا زجر عن المعصية ورغّب في الطاعة بقوله: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الآية ثم بما بعدها أيضاً- أتبعه بنوعٍ آخر من الترغيب والترهيب بقوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِي} الآية. وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيّاً وهو ظاهر لكل أحد. والثاني الذي يكون روحانيّاً. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذراً عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة. وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مُشْرِقَةً بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجةً بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما أنَّ الخبيث والطيّب في عامل الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان. بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشدّ لأن مضرة خبث الخبيث الجسمانيّ شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأمّا خبث الخبيث الروحانيّ فمضرته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطّيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. وهو القرب من جوار ربّ العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية.
الثاني: قال بعض المفسّرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح. وأنّ الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميّز المؤمن في المجلس. انتهى.

.تفسير الآية رقم (101):

القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [101].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا} أي: نبيكم: {عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ} أي: تظهر: {لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} لما فيها من المشقة: {وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي: وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه فـ: {حين} ظرف لـ: {تسألوا}.
وثَمة وجه آخر: وهو جعل {حين} ظرفاً لـ: {تبد}، والمعنى: وإن تسألوا عنها. تُبْد لكم حين ينزل القرآن.
قال ابن القيم: والمراد بـ: {حين} النزول زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن للنزول. وكأن في هذا إذناً لهم في السؤل عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقاً. ثم قال: وثمة قول ثانٍ في قوله تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا} الخ، وهو أنّه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يَسُوؤكم: والمعنى: لا تتعرّضوا للسؤال عمّا يَسُوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زم الوحي أبدي لكم. انتهى.
وقال بعضهم: إنه تعالى، بيّن أولاً أنَّ تلك الأشياء- التي سألوا عنها- إن أبديت لهم ساءتهم. ثم بيّن ثانياً أنهم إن سألوا عنها أُبْدِيَتْ لهم. فكان حاصل الكلام إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم، إن سألوا عنها، ظهر لهم ما يَسوُءُهم ولا يسرّهم.
قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} صفة لـ: {أشْياء} داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بَشَرْطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعاً. فقيل: {وإِنْ تَسْأَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرآنُ تُبْدَ لَكُمْ}. أي: تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل. والمراد به: ما يشق عليهم ويغّمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أنَّ السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عمّا يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عزّ وجل، من غير بحثٍ فيه ولا تعرّض لكيفيته وكميّته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيكم من تكاليف شاقة عليكم- إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه- لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمورٍ مستورةٍ تكرهون بروزها.
{عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعةً عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلاّ يسوءكم بيانها. فالجملة في موضع جرّ صفة أخرى لـ: {أَشْيَاء}. أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذٍ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرّد صيانتهم عن المساءة. بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها. وفيه من حثّهم على الجِدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} اعتراض تذييليّ مقرّر لعفوه تعالى، أي: مبالغ في مغفرة الذنوب. ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم.

.تفسير الآية رقم (102):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} [102].
{قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير: {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أُمِروا بها تركوها فهلكوا. والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له.
تنبيهات:
الأول: روى البخاريّ في سبب نزولها في التفسير عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءًَ. فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل، تضلّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ} حتى فرغ من الآية كلها.
وأخرج أيضاً عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً... قال: فغطّى أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان» فنزلت هذه الآية: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.
وروى البخاري أيضاً في كتاب الفتن عن قتادة: أن أنساً حدثهم قال: سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أحْفَوْه بالمسألة. فصعد النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ المنبر فقال: «لا تسألوني عن شيء إلاّ بينت لكم. فجعلتُ أنظر يميناً وشمالاً، فإذا كلّ رجلٍ، رأسه في ثوبه يبكي. فأنشر رجل- كان إذ لاحى يُدْعى إلى غير أبيه- فقال: يا نبيّ الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذافة». ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربَّاً، وبالإسلام ديناً، وبحمدٍّ رسولاً. نعوذ بالله من سوء الفتن.
فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت في الخير والشرّ كاليوم قط. إنه صوّرت لِيَ الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط».
فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء}.
وفي رواية: قال قتادة يُذْكَرُ- بالبناء للمجهول- هذا الحديث... الخ.
وروى البخاري أيضاً في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة في باب ما يكره من كثرة السؤال، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر. فلما سلّم قام إلى المنبر فذكر الساعة. وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً. ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله! لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا». قال أنس فأكثر الأنصار البكاء، وكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: فقال أنس: فقام رجل فقال: أين مدخليْ يا رسول الله! قال: النار. فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ يا رسول الله! قال: «أبوك حذافة». قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني. فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً.
قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده! لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفاً في عُرْض هذا الحائط وأنا أصلي. فلم أر كاليوم في الخير والشر».
وعند مسلم: قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعتُ بابنِ قطّ أعقَّ منك. أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أَعْيَن الناس؟
قال عبد الله بن حذافة: والله! لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
وروى ابن جرير عن السدّي قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً فقال: سلوني.- نحو ما تقدم- وزاد: فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: رضينا بالله رباً.. الخ.
وزاد: وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به حتى رضي.
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمارّ وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: في النار.- نحو ما مرّ- وفيه: فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ}» الآية.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وبهذه الزيادة- أي: على ما في البخاريّ من قول رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أين أنا؟ قال: في النار.- يتضح أن هذه القصة سبب نزول: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} الآية، فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، بخلافها في حق حذافة فإنه بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه، فبيّن أباه الحقيقيّ، لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال. انتهى.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي البختري عن عليّ رضي الله عنه قال: لما نزلته هذه الآية: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كلّ عام؟ فسكت، قال ثم قالوا: أفي كلّ عام؟ فقال: لا. ولو قلت نعم لوجبت. ولو وجبت لما استطعتم. فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ} الآية.
قال الترمذي: غريب وسمعت البخاريّ يقول: أبو البختريّ لم يدرك عليّاً.
وروى ابن جرير ونحوه عن أبي هريرة وأبي أمامة، وكذا عن ابن عباس، قال في الآية: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإن نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل. إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة.
الثاني- قال ابن كثير: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته. فالأوْلى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا يبلغني أحد عن أحدٌ شيئاً. فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سُلَيم الصدر. ورواه أبو داود والترمذي.
الثالث- قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين:
لم ينقطع حكم هذه الآية. بل لا ينبغي للعبد أن يتعرّض للسؤال عمّا إن بدا له ساءه. بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن هاهنا قال عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا. لمّا سأله عن رفيقه عن مائه: أطاهر أم لا؟
وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله. فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها.
وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها. وأما المقصود أولاً وبالذات- كما يفيده تتمتها- فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي.
ويدل له، ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ أعظم المسلمين جرماً، من سأل عن شيءٍ لم يحرّم فحُرِّم من أجل مسألته».
فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه. وعن أبي هريرة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني ما تركتكم. فإنما أهلكَ مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأْتُوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه»، رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.
وعن أبي ثعلبة الخُشَنِي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحدّ حدوداً فلا تعتدوها. وحرّم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها». رواه الدارقطنيّ وأبو نعيم.
وعن سلمان الفارسي: قال سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال: «الحلال ما أحلّ الله في كتابه. والحرام ما حرّم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلّفوا». رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة.
وأخرج الشيخان عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ. وكان يعجبنا الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.
وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها.
. ولمسلم عن النوّاس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلاَّ مسألة. كان أحدنا، إذا هاجر، لم يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ومراده: أنه قدم وافداً، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجراً، فيمتنع عليه السؤال.
وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفوداً كانوا أو غيرهم.
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: لمّا نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} الآية، كنّا قد أتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم. فأبينا أعرابيّاً فرشوناه برداءِ وقلنا: سل النبيه صلى الله عليه وسلم.
ولأبي يعلى عن البراء: إن كان ليأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيّب، وإن كنا لنتمنى الإعراب- أي: قدومهم- ليسألوه، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها.
وأمّا ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي عن الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصَب. والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة. والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن. والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك.
لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عمّا لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لمّا كانت سبباً للتكليف بما يشق، فحقها أن تجتنب.
وقد عقد الإمام الدارمي في أوائل مسنده لذلك باباً. وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثاراً كثيرة في ذلك، منها: عن ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن. فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن.
وعن عمر: أحرّج عليكم أن تسألوا عمّا لم يكن. فإن لنا فيما كان شغلاً.
وعن زيد بن ثابت، أنه كان إذا كان إذا سئل عن الشيء؟ يقول: كان هذا؟ فإن قيل: لا! قال: دعوه حتى يكون.
وعن أُبيّ بن كعب، وعن عمار نحو ذلك.
وأخرج أبو داود في المراسيل: عن أبي سلمة ومعاذ مرفوعاً: لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها. فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين مَنْ إذا قال سُدِّد- أو وفق- وإن عجلتم تشتَّتَتْ بكم السبل.
وعن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعاً: لا يزال في أمتي من إذا سُدِّد، حتى يتساءلوا عمّا لم ينزل.
قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك، أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين:
أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه. بل ربما كان فرضاً على من تعين عليه من المجتهدين.
ثانيهما- أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طرديّ مثلاً. فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: هلك المتنطعون... أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته.
ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زماناًَ كان صرفه في غيرها أولى، لاسيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك- في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها. ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحسّ. كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة.. إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن- أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها- ولاسيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولاسيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كره السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظاً على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصراً على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم- كذا في فتح الباري.
ثم رأيت في موافقات الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، في أواخرها- في هذا الموضوع- مبحثاً جليلاً، قال في أوله:
الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى...- وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضاً عما نقلنا- ثم قال: والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُعِظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم.. ثم قال: ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:
أحدها: السؤال عمّا لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: مَن أبي؟ وروي في التفسير أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقاً كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدراً ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: 189] الآية، فإنما أجيب بما فيه منافع الدين.
وثانيها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كم سأل الرجل عن الحج: أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت} [آل عِمْرَان: 97]، قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة} [البقرة: 67].
وثالثها: السؤال من غير احتياجٍ إليه في الوقت، وكأن هذا- والله أعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: «ذَرُوني ما تَرَكْتُكمْ». وقوله: «وسكت عن أشياء رحمةً بكم، لا عَنْ نسيان، فلا تبحثوا عنها».
ورابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي عن الأغلوطات.
وخامسها: أن يسأل عن علة الحكم- هو من قبيل التعبدات، أو السائل ممّن لا يليق به ذلك السؤال- كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.
وسادسها: أن يبلغ بالسؤال إلى حدّ التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدلّ قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86]، ولما سئل الرجل: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عُمَر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإن نرد على السباع وترد علينا.
وسابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقيّ أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالماً بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه وإلاّ سكت.
وثامنها: السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عِمْرَان: 7] الآية. وعن عُمَر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضاً للخصومات أسرع التنقل. ومن ذلك سؤال من سأل مالكاً عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهول، والسؤال عنه بدعة.
وتاسعها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عُمَر بن عبد العزيز عن قتال أهل صِفِّين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ألطّخ بها لساني.
وعاشرها: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، وقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] وفي الحديث: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.
هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها واحداً، بل فيها ما تشتدّ كراهيته، ومنها ما يخفّ، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محلّ اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: أن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68] الآية. وأشباه ذلك من الآي والأحاديث... فالسؤال في مثل ذلك منهيّ عنه، والجواب بحسبه. انتهى كلامه.
التنبيه الرابع:
قال بعض المفسّرين: لابد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة. لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وقال صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا. فإنما شفاء العيّ السؤال..» انتهى.
ولا يخفى أن الآية بقيدها- أعني: {إِن تُبْدَ}.. الخ- غنية عن أن تقيّد بقيد آخر كما ذكره البعض. لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به- كما أسلفنا- مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه. وفيه خطر المفسدة. والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه.
وأما ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية- كما يتضح من نظمها الكريم- مع ما بيّنته السنة في سبب النزول، وتحرج الصحابة عن المسائل المارّ بيانه- معلومٌ أنه فيما لا ضرورة إليها. وإلاَّ فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة، مما يبيّن أن هذه الآية في موضوع خاص.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى حرج أو مسادة أو تعنّت..
روى الشخان عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
وروى أحمد وأبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات- وهي صعاب المسائل- والآثار في ذلك كثيرة.
ثم بين تعالى بطلان ما ابتدعه أهل الجاهلية- من تحريم بعض بهيمة الأنعام- بقوله سبحانه: